محمد جواد مغنية
96
في ظلال الصحيفة السجادية
أنبياء . لقد اعتبر القرآن الكريم جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمّد - أمّة واحدة ، وأوجب الاعتراف بهم مع الاحترام ، والتّقديس : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ « 1 » ؛ لأنّهم بالكامل يتلقون الوحي من مصدر واحد ، وأصول الدّين ، والشّريعة واحدة ، والاختلاف إنّما هو في التّفريع ، والتّطبيق تبعا للظروف الاجتماعية وغيرها ، وفي الحديث الشّريف : « الأنبياء أخوة أبناء علات ، أمّهاتهم شتى ، ودينهم واحد » « 2 » وما من شكّ أنّ تكريم الأنبياء ، وكلّ من أصلح ، وأفاد النّاس بجهة من الجهات - يحمل معنى عرفان الجميل بكلّ جهد كريم ، كما أنّ سيرتهم ، وحياتهم عبرة ، وعظة ، ودرس ، وقدوة حسنة للأجيال في البذل ، والتّضحية ، والصّدق ، والإخلاص . ولكن الفرد مهما سما في مواهبه ، وأخلص في مقاصده ؛ فإنّه لا يستطيع أن يقوم بأي دور للتّأريخ إلا إذا أتيح له أنصار ، وأعوان يثقون به ، ويسارعون إلى طاعته ، ويخوضون معه كلّ المعارك ، ويفتدونه بالنفس ، والنّفيس ، لأنّه الحصن الحصين لدينهم ، وعقيدتهم ، والقوي الأمين على أهدافهم ، ومصالحهم ، ولكن هذه الجماعة الفاضلة ، والقوة العاملة قد استبعدهم التّأريخ ، وأهمل ذكرهم ، ووجّه الأنظار إلى القادة وحدهم ، أمّا القرآن الكريم فقد أثنى على الأعوان ، والأنصار ، ورفع من شأنهم ، وقرنهم بالأنبياء ، والمرسلين في العديد من آياته ، منها : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ
--> ( 1 ) البقرة : 285 . ( 2 ) انظر ، البداية والنّهاية : 2 / 55 و 117 ، مسند أحمد : 2 / 541 ، الدّيباج على مسلم : 5 / 349 .